محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

58

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

وأما الجَهْرُ بِالبَسْمَلَة ، فقد رُوَيتْ فيه أحاديث كثيرة ، وصَنَّفَ في ذلِكَ غَيْرُ واحدٍ مِنَ الحُفَّاط تصانِيفَ مُفْرَدةً ، وقد جَمَعَ الحافظ الكبير أبو بكر بنِ الخطيبِ ( 1 ) أحاديثَ الجَهْرِ في ثلاثةِ أجزاء ( 2 ) . إذا عرفت هذا ، فدعوى التَّواتُر في ثُبوتِ الجَهْرِ والإِخفات غيرُ مُسْتَنْكَرٍ عَقْلاً ولا نَقْلاً ، أما العَقْلُ فلأنَه تَواتُر فيما تَعُمُّ بِه البَلْوى ، ويجب في العادَة ظُهورُه وشُهْرَتُه ، وأما النقْل فلأنَ الرُّوَاة ( 3 ) في الجانِبَيْنِ عددٌ

--> ( 1 ) هو الحافظ الكبير العلامة الناقد أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي ، صاحب التصانيف الكثيرة النافعة المتوفى سنة 463 ه - . قال ابن ماكولا : كان أبو بكر آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة ، وحفظاً ، وإتقاناً ، وضبطاً لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتفنناً في علله وأسانيده ، وعلماً بصحيحه وغريبه ، وفرده ومنكره ومطروحه ، ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن الدارقطني مثله . مرجم في " السير " 18 / 270 - 297 . ( 2 ) أوردها الإمام الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " 1 / 341 - 358 ، وتكلم على كل حديث منها ، وأبان عن درجته بما تقتضيه الصناعة الحديثية ، ثم لخص كلامه بقوله : وبالجملة فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح ، بل فيها عدمهما أو عدم أحدهما ، وكيف تكون صحيحة ، وليست مخرجة في شيء من الصحيح ، ولا المسانيد ولا السنن المشهورة ، وفي روايتها الكذابون والضعفاء والمجاهيل الذين لا يوجدون في التواريخ ، ولا في كتب الجرح والتعديل كعمر بن شمر ، وجابر الجعفي ، وحصين بن علي الأصبهاني الملقب بجراب الكذب ، وعمر بن هارون البلخي ، وعيسى بن ميمون المدني وآخرون أضربنا عن ذكرهم . . . ثم نقل عن صاحب " التنقيح " قوله : وهذه الأحاديث التي استدل بها على الجهر بالبسملة في الجملة لا يحسن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة ، ولولا أن يعرض للمتفقه شبهة عند سماعها ، فيظنها صحيحة ، لكان الإضراب عن ذكرها أولى ، ويكفي في ضعفها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها ، وقد ذكر الدارقطني منها طرفاً في " سننه " فبين ضعف بعضها ، وسكت عن بعضها ، وقد حكى لنا مشايخنا أن الدارقطني لما ورد مصر ، سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر ، فصنف فيه جزءاً ، فأتاه بعض المالكية ، فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك ، فقال : كل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهر فليس بصحيح ، وأما عن الصحابة ، فمنه صحيح وضعيف ، ثم تجرد الإمام أبو بكر الخطيب لجمع أحاديث الجهر ، فأزرى على علمه بتغطية ما ظن أنَّه لا ينكشف ، وقد بينا عللها وخللها . وانظر " شرح السنة " 2 / 53 - 57 للبغوي ، و " الناسخ والمنسوخ " ص 79 - 82 للحازمي . ( 3 ) في ( ب ) : الرواية .